مقالات رأي

في الحاجة الى تقدير الذات المحلية بقلم ذ.مصطفى مروان

 

الكثير من الناس للأسف هم مجرد مستلبين و مستهلكين لثقافة الغير لا غير، فبعد بداية الوعي بضرورة خلق مسافة مع بلدان الشرق الأوسط العربية منها بالخصوص مبنية على روح العقل و النقد البناء، القصد هنا كل ما هو ثقافي، و منه الدعوة إلى إعادة قراءة الدين الإسلامي -الذي أنزل للعالمين- بمعزل عن ثقافة و عادات العرب، بالاعتماد على القرآن الكريم كمرجع أساس، و ما يتوافق معه من السنة. حتى بدأ استيلاب من نوع آخر، استيلاب “الغرب” الناجح، الاوروبي الذكي، الامريكي الخلاق، البلدان المتقدمة، الخ، في مقابل الافريقي المتخلف، دول العالم الثالث، البلدان السائرة في طريق التنمية وغيرها من التسميات الاستعمارية، فبدأ انسان هذه البلدان الاخيرة يشعر بالدونية، و بأنه أقل من الأخر في الضفة الاخرى المتطور، و بالتالي النزوع إلى تقليده ليبدأ الحلم بأن يصبح كما هو، و بأي وسيلة كانت، و لو على حساب دهس كينونته و طمس ذاته، ما دامت الغاية هي في الأول والأخير كسب المال، أو بصورة أكثر تدقيقا فكر خبزوي أعمى لا يبصر الا الاوراق النقدية و لا يسمع الا صوت القطع النقدية !

و انطلاقا من من المثل الشعبي “دوا الطماع الكذاب”، عملت مختبرات العولمة من خلال الشركات العابرة للقارات لترسيخ النموذج التدجيني الاحادي للانسان من خلال مقولة “العالم قرية صغيرة” ، و النتيجة المرجوة: مجرد انسان/آلة مستهلك يأكل، يلبس، و يفكر بنفس الطريقة، انسان قابل لاقناء نفس المنتج في أي رقعة جغرافية على وجه البسيطة، إنسان ينسلخ من جلده و من ثقافته و تراثه و عاداته و تقاليده و ما ورثه من علم و خبرات الأجداد في علاقتهم بالأرض التي يعيشون عليها، ليعتنقوا نموذج لا يؤمن بالحدود لا الاخلاقية و لا الجغرافية، ايمانه الوحيد خلق الثروة و الربح و مزيد من الربح و لو على حساب كينونة و ذات الانسان الذي هو مجرد زبون و مستهلك في هذه الحالة.

و هنا تكمن الخطورة ان لم تعي المجتمعات أهمية الثقافة المحلية (التفكير و آلياته، نمط و طرق العيش، الملبس، المأكل، المهارات، الخبرات، الدراية، الخ) كدرع واقي و وقائي أمام زحف غول العولمة و الإنسان الممسوخ و المسلوخ من اي نسمة ذاتية تربطه بالوعي الجمعي الثقافي لارضه و أجداده. فما معنى أن يكون الإنسان بلا ثقافة أصيلة (نابعة من أرضه و هي نتاج ملايين السنين)، و ما معنى إنسان لا يؤمن بأي شيء (الدين/الجانب الروحي، على أساس أننا لم نخلق عبثا و لسنا مجرد طفرة، فالكل خلق بميزان والله مسويه)، انسان بلا فرامل و بلا حدود (الحرية الفردية: هذا ملكي أفعل به ما أشاء)، و بلا ضمير جمعي (أنا و من بعدي الطوفان)، و بلا بعد أخلاقي (من سمات العولمة جعل كل ما هو غير أخلاقي طبيعي)،الخ.

هي إذن وصفات صنعت للمعوزين (القصد هنا العوز الفكري/الاستبصاري الذي أنتج العوز المادي/اللحظي الآني)، و للقطيع (الذي يتبع دائما القوي و يأتمر بأمره و لو على حساب ذاته)، و للمرتزقة ( الذي يتاجر بآلام و معانات بني جلدته من أجل تحقيق مكاسب ريعية) و اللائحة تطول! أما يدرون أنها ليست سوى نزوات و رغابات صنعت لهم ليطبعوا معها، ثم يبدأوا بجعلها معتقدات ثم مسلمات ثم أسلوب عيش و نمط حياة، و ان كانت في ظاهرها أو جوهرها نقيض الفطرة السليمة (روح الطبيعة)، أو أبعد من ذلك، نقيض ما يوجد في ثقافته و حضارته الأم. هي إذن حرب خفية أسلحتها التسويق الناجح للوصفات الجاهزة و لنموذج “تعلم كيف تكون متحضرا و متطورا في 5 أيام”، و السبيل لذلك القطيعة مع ما تؤمن به و مع عصارة علاقة الاجداد بالارض، و لانجاح ذلك سخرت جيوش وسائل و منصات التواصل الاجتماعي و أجهزة السمعي البصري و غيرها، و ما العلم و العلماء الا ذلك الحائط القصير الذي تعلق فيه مناشير” حق أريد به باطل”.
حشا أن يكون الإنسان الناجح هو من ينسلخ عن بيئته و ثقافته، حشا أن يكون الانسان المتقدم و المتطور هو الذي لا يؤمن بأي شيء !

و السلام!

🖋️🖋️…مصطفى مروان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock